2026-04-14

تجليات الأنا في الخوارزم


 تطل غوغل اليوم بوجه جديد نحو المدى العربي، حاملة في طياتها ميزة الذكاء الشخصي التي تمنح نظام جيميناي قدرة فائقة على التغلغل في نسيج الحياة اليومية، محولة إياه من محض محرك بحث بارد إلى مساعد رقمي يدرك كنه الهوية الفردية. هذه الخطوة، التي بدأت في الانتشار مطلع 2026، تتيح للآلة، بعد نيل الموافقة، أن تبحر في محيط البيانات المخزنة في البريد الإلكتروني وسحب الصور، لتستنبط من تراكم الرسائل وشتات الصور سياقاً خاصاً يجعل الإجابة ثوباً مفصلاً على مقاس السائل وحده. لم يعد الرهان على استحضار المعلومة العامة، بل في صهر تلك المعلومة داخل بوتقة التاريخ الرقمي لكل إنسان، بحيث لا يغدو الذكاء الاصطناعي غريباً يطرق الأبواب، بل رفيقاً يقرأ ما خلف السطور ويستعيد تفاصيل الوعي التي قد يطويها النسيان البشري في زحام الأيام. إن هذا التحول يعكس رغبة التقنية في الحلول محل الظل الذي يتبع صاحبه أينما حل وارتحل، مستفيداً من سياقات الرسائل والصور لتقديم إجابات لا تشبه أحداً سوى صاحبها، في صيرورة تعيد تعريف السيادة الفردية في الفضاء الرقمي الشاسع الذي يلف الكوكب بموجات غير مرئية، محولة الفرد من مستهلك للمعلومة إلى مرجع لها.

يعود بنا قطار التاريخ إلى سبتمبر 1998، حين انبثقت غوغل من مرآب صغير، واضعة نصب عينيها تنظيم معلومات العالم، لكن أحداً لم يتوقع آنذاك أن البيانات ستتحول من مجرد أرقام صماء إلى بصمة وجودية متكاملة. إن ميزة الذكاء الشخصي تقوم على ركيزتين بنيويتين: الأولى هي الاستدلال البرمجي الذي يربط بين خيوط المعلومات المبعثرة، والثانية هي الاسترجاع المعرفي الذي ينقب في السحب الرقمية عن تفاصيل دقيقة، كبرنامج سفر قديم أو صورة منسية، ليحولها إلى مادة حية تغذي الحوار الراهن. وفي هذا الصدد، تقول الخبيرة التقنية "شوشانا زوبوف" في مؤلفها حول رأسمالية المراقبة إن هذا النوع من التخصيص الفائق يمثل ذروة التداخل بين التكنولوجيا والحياة الخاصة، حيث تصبح التجارب الشخصية هي المادة الخام التي تشكل وعي الآلة وتوجه بوصلتها نحو رغباتنا الدفينة. إننا ننتقل من مرحلة مطابقة الكلمات المفتاحية إلى مرحلة الاستبصار الخوارزمي، حيث تفهم الآلة لماذا نسأل وليس فقط ماذا نسأل، وهو ارتقاء يعيد صياغة العقد الاجتماعي بين الإنسان وصناع التقنية الحديثة في هذا العصر المتموج الذي لا يرحم المتأخرين صمتاً ولا جهلاً.

إن التحليل العميق لهذا التحول يكشف عن رغبة إنسانية أزلية في الخلود، حيث نسعى لتخليد ذواتنا عبر الترميز والأرشفة المستمرة لكل خلجة ونفس. في يوليو 1945، تنبأ "فانيفار بوش" بجهاز ميميكس الذي يخزن الكتب والاتصالات ويسترجعها بسرعة فائقة، واليوم في 2026، يتجسد هذا الحلم في واجهة بسيطة على الهواتف تمنح المستخدم سلطة مطلقة على ماضيه الرقمي. إن هذا الاندماج بين الذاكرة البيولوجية والذاكرة السيليكونية يعيد تعريف مفهوم الذكاء، فلم يعد الذكي هو من يحفظ، بل من يعرف كيف يوظف الأدوات لاستنتاج المعنى من ركام الفوضى المعلوماتية. ومع توسع غوغل في تقديم هذه الخدمات، نجد أنفسنا أمام مرآة رقمية تعيد عرض ماضينا علينا بشكل مستمر، مما يطرح تحديات أخلاقية وقانونية حول ملكية الوعي المرقمن ومدى قدرة التشريعات على ملاحقة سرعة الابتكار التي لا تعرف التوقف. إن الذكاء الذي يحلل خصوصياتنا يجب أن يكون متسقاً مع تطلعاتنا، وضمان أن تظل البيانات وسيلة للتمكين لا أداة للاحتواء أو التنميط الفكري الذي قد تمارسه القوى المهيمنة على الفضاء الرقمي العالمي، في لعبة شطرنج كبرى تدار خيوطها خلف الشاشات الباردة.

يذكرنا الفيلسوف الألماني "مارتن هايدغر" في تأملاته حول التقنية بأن الخطر لا يكمن في الآلة ذاتها، بل في تحويل الإنسان إلى مجرد مورد قابل للقياس والتحليل. لذا فإن الشفافية التي تنتهجها الشركات اليوم، عبر جعل الارتباط اختيارياً، هي محاولة لترميم جدار الثقة الذي تصدع تحت وطأة الاختراقات الرقمية المتكررة في العقد الماضي. إن السيادة في هذا العصر الجديد لا تقاس بامتلاك العتاد فحسب، بل بالقدرة على التحكم في الخوارزميات التي تدير شؤون الوعي وتوجه مسارات التفكير الجمعي. ومع إتاحة هذه الميزات لمشتركي الباقات المتقدمة في المنطقة العربية، تبرز ضرورة الحفاظ على الاستقلال المعرفي وسط فيضان الرقمنة الكونية؛ فالآلة التي تفهم لغتنا وسياقنا الشخصي يجب أن تظل خادماً جيداً، ولا تتحول إلى سيد مستبد يملي علينا خياراتنا بناء على أنماط استهلاكية سابقة، بل يجب أن تفتح لنا آفاقاً جديدة للابتكار والإبداع الإنساني الذي يتجاوز حدود الحسابات المادية الجافة، ويستشرف آفاقاً لم تطأها قدم من قبل في تاريخ الوعي البشري الممتد.

وكما قال الشاعر "تي إس إليوت" في إحدى مقطوعاته الخالدة: "أين هي الحياة التي أضعناها في العيش؟ وأين هي الحكمة التي أضعناها في المعرفة؟"

هذا التساؤل الوجودي يتردد صداه اليوم بين جدران المختبرات التي تصنع المستقبل وترسم ملامح الغد. إننا نغرق في المعلومات لنصل إلى المعرفة، فهل يمنحنا الذكاء الشخصي تلك الحكمة المفتقدة، أم أنه سيزيد من شتاتنا عبر إغراقنا في تفاصيلنا الصغيرة التي لا تسمن ولا تغني من جوع؟ إن القدرة على استعادة الخطط والذكريات بضغطة زر هي نعمة تقنية، لكنها تتطلب عيناً بصيرة تدرك أن البيانات هي روح العصر، ومن يملك مفاتيحها يملك توجيه الدفة نحو المستقبل. يتجلى هنا ذكاء الأنظمة التي لا تكتفي بجمع الأرقام، بل تبحث عن المعنى الكامن خلف الصورة والرسالة، تماماً كما تفكك العقول المتوقدة طلاسم الواقع عبر الغوص في أعماق النفس البشرية لاستنباط مواقف القوة والضعف. إننا نعيش في زمن المرآة المحطمة التي تحاول التقنية جمع شظاياها لتقدم لنا صورة كاملة عن أنفسنا، صورة قد نجهلها نحن عن ذواتنا في غمرة الانشغال بالحياة وتفاصيلها المنهكة التي تسرق منا بريق اللحظة ووهج الروح.

إن الاندماج الحاصل بين الذكاء الاصطناعي والخدمات الرقمية الشخصية ليس سوى خطوة نحو الإنترنت الحميمي، حيث لن نعود بحاجة لسؤال المحرك عن كيفية التخطيط ليومنا، بل سيعلم هو من مواعيدنا القديمة وصورنا أي المسارات تشبه تطلعاتنا العميقة. إن هذا التغلغل في المسام الخاصة لحياتنا يدفعنا للتساؤل: هل نحن بصدد بناء مساعد رقمي يخدمنا، أم أننا نصنع، بوعي أو بدونه، بديلاً رقمياً سيرث حضورنا في العالم الافتراضي بعد رحيلنا؟ إن الجواب يكمن في أن الآلة، مهما بلغت من الاستدلال والتخصيص، تفتقر إلى شرارة الإلهام التي تولد من العدم؛ فالآلة محكومة بالكمال الحسابي، بينما الإنسان يزدهر في نقصانه المبدع وفضيلة الخطأ الجمالي. لذا، فإننا نستخدم الخوارزم لننظم حاضرنا، لكننا نحتفظ لأنفسنا وحدنا بحق رسم ملامح المجهول بفرشاة الإرادة الحرة التي لا تملكها أي شيفرة برمجية مهما بلغت عظمتها، لأن الروح الحرة هي المجهول الوحيد الذي يعجز الذكاء الشخصي عن فك طلاسمه مهما بلغت قدرته على التحليل والاستنتاج. فهل تستطيع الذاكرة الاصطناعية أن تمنحنا يوماً لذة النسيان التي هي جوهر التجدد الإنساني؟ إن الحقيقة المدهشة هي أن الآلة صممت لتتذكر كل شيء، بينما صمم الإنسان لينسى أجمل الأشياء كي يستطيع عيشها مرة أخرى وكأنها المرة الأولى، وهذا هو الفارق الجوهري بين خلود الأرقام وحياة المشاعر الصادقة التي تأبى أن تسجن في أقفاص من شيفرات السيليكون الباردة، لتبقى النفس البشرية هي اللغز الذي كلما ظنت التقنية أنها حلته، انفلت منها بجمال يزلزل يقين الحسابات.

انحسار المد وانكسار الرهان

 تطبق البوارج الأميركية في هذه الساعات حصاراً خانقاً على الموانئ في إيران، في مشهد يعكس ذروة التصعيد العسكري الذي يهدف إلى شل حركة الملاحة وتجفيف منابع القوة، مما أثار موجة من الغضب العارم في طهران وزاد من ضبابية المشهد في الممرات المائية الدولية. وبالرغم من هذه الأجواء المشحونة، سجلت أسعار النفط تراجعاً لافتاً لتستقر تحت حاجز 100 دولار اليوم الثلاثاء 14 أبريل 2026، في مفارقة اقتصادية تعكس ثقة الأسواق في وجود بدائل استراتيجية تضمن استقرار الإمدادات بعيداً عن تقلبات السياسة. وقد تأكد اليوم أن المحادثات التي جرت في إسلام آباد بين ممثلي واشنطن وطهران قد انتهت رسمياً دون تحقيق أي نتائج تذكر، مما بدد الآمال الضعيفة في التوصل إلى تسوية دبلوماسية قريبة. وفي هذا السياق، أكد دونالد ترمب أن طهران لن تمتلك سلاحاً نووياً أبداً، مشدداً على أن لغة الابتزاز لم تعد تجدي نفعاً أمام إرادة دولية مصممة على حماية أمن الكوكب من التهديدات التي تتربص باستقرار الاقتصاد العالمي.

إن هذا الانكسار الدبلوماسي ليس وليد اللحظة، بل هو نتاج طبيعي لنهج سياسي آثر الارتهان لأوهام التوسع التي أرهقت كاهل المنطقة. ولتفكيك هذا المشهد، يجب العودة إلى 11 فبراير 1979، وهو اليوم الذي شهد الانهيار الكامل للملكية في إيران برحيل الشاه محمد رضا بهلوي وسقوط حكومة شابور بختيار، ليعلن روح الله الخميني قيام نظام جديد جعل من "تصدير الثورة" عقيدة سياسية، مما وضع البلاد في مسار تصادمي مع جيرانها ومع النظام العالمي بأسره. لم تكن تلك الثورة مجرد تغيير داخلي، بل كانت بداية لتحول الدولة إلى منصة للهدم، حيث استبدلت لغة التعاون الدولي بشعارات الصدام التي أدت لاحقاً إلى أزمة الرهائن في السفارة الأميركية في نوفمبر 1979، وغرست بذور الشقاق التي لا تزال تزهر حصاراً وعقوبات حتى يومنا هذا.

ولم يكد العالم يستوعب تلك التحولات حتى انفجر الوضع العسكري في 22 سبتمبر 1980، عندما بدأت القوات العراقية هجوماً واسعاً عبر الحدود المشتركة، معلنةً انطلاق حرب استمرت 8 سنوات حصدت أرواح أكثر من 1 مليون إنسان. في ذلك التاريخ، دخلت المنطقة في نفق مظلم شهد ولادة "حرب الناقلات" في مياه الخليج، حيث استهدفت السفن التجارية للي ذراع المجتمع الدولي، وهي الاستراتيجية ذاتها التي تحاول طهران استنساخها اليوم لمواجهة الحصار البحري الأميركي. إن تلك الحرب التي انتهت في أغسطس 1988 بقرار تجرع فيه الخميني "سم" وقف إطلاق النار، تركت بلاداً محطمة اقتصادياً ومنبوذة دولياً، وهو الدرس الذي يبدو أن العقل السياسي الحالي في طهران قد نسيه أو تناساه، مفضلاً المضي في مسار نووي يتشح برداء السلمية بينما يخبئ خلفه أطماع الهيمنة النووية التي تثير رعب الجوار.

إن هذا المسار النووي الملتوي يتكامل مع سياسة ممنهجة لتسليح الميليشيات، حيث تحولت عواصم عربية عديدة إلى ساحات لجيوش الظل التي تقتات على الفوضى وتنفذ أجندات لا تمت بصلة لمصالح تلك الشعوب. هذه الميليشيات ليست سوى خيوط في نسيج العنكبوت الذي تحاول طهران نسجه حول المنطقة، مدعومة ببرنامج متسارع للصواريخ الباليستية بعيدة المدى، تلك السهام الحديدية التي لا تهدف لحماية الحدود بقدر ما تهدف لتهديد العمق الاستراتيجي للدول المستقرة. والمفارقة الصارخة تكمن في أن هذه الترسانة الضخمة، وهذا النفخ في كير الحروب، لا يوجهان نحو الخصوم البعيدين الذين ترفع الشعارات ضدهم، بل ينصب أذاها بالدرجة الأولى على دول الخليج، تلك الجارة التي مدّت يد البناء والوئام، فجوزيت بمحاولات التخريب، وزرع خلايا التجسس، وتهديد أمن منشآتها الحيوية، في نكران واضح لكل مواثيق حسن الجوار.

يقول السياسي الأميركي هنري كيسنجر في أحد تحليلاته العميقة: "على إيران أن تقرر ما إذا كانت دولة أو ثورة، فالدولة تسعى للأمن والتعاون، أما الثورة فتسعى للتقويض والاضطراب". وما نراه اليوم في أبريل 2026 هو اختيار طهران الواضح لمنطق الثورة المدمّر، حيث تنفق المليارات على الصواريخ العابرة للحدود وتجهيز الفصائل المسلحة، بينما يرزح الداخل تحت وطأة العوز. وفي هذا السياق، يرى الفيلسوف توماس هوبز أن غياب السلطة العقلانية الملتزمة بالقوانين يؤدي إلى حياة "مقززة، وبهيمية، وقصيرة"، وهو بالضبط ما تفرضه تلك السياسات على المناطق التي تتغلغل فيها. إن الهجمات الأخيرة التي استهدفت الملاحة والمنشآت في دول الخليج، تؤكد أن البوصلة الإيرانية قد انحرفت تماماً عن "عدوها المفترض" لتصوب سهامها نحو صدور الأشقاء، في محاولة يائسة لتصدير أزماتها الداخلية.

بين ضجيج المحركات العسكرية في البحار وسكون الغرف المغلقة التي شهدت فشل محادثات إسلام آباد، يبرز التساؤل حول مصير الشعوب التي تُساق نحو الهاوية باسم السيادة الموهومة. إن انخفاض سعر النفط تحت 100 دولار رغم كل هذا التصعيد هو صفعة قوية للرهانات التي كانت تعتقد أن تهديد الملاحة سيخضع العالم. لقد أثبت الواقع أن القوة ليست في الصراخ، بل في القدرة على الصمود داخل منظومة تحترم القواعد. وكما قال الشاعر اللورد بايرون في قصيدته "حطام السفينة":

"البحر لا يمنح أحداً حق المرور

إلا لمن يتقن فن الإبحار مع الريح

أما من يعاند الموج فمصيره القاع"

وهذا هو حال القيادة التي تصر على تحدي منطق التاريخ والجغرافيا ببرامج تسلح تفتقر للمشروعية الأخلاقية والسياسية.

إن المضي في برنامج الصواريخ الباليستية وتسليح الأذرع التخريبية هو هروب للأمام من استحقاقات الدولة الوطنية؛ فالدولة القوية هي التي تحمي جيرانها وتساهم في رخائهم، لا التي تحول حدودهم إلى حقول ألغام. إن العالم اليوم يراقب كيف تتحول الموانئ من بوابات للرزق إلى أقفاص للحصار بسبب تعنت لا يرى أبعد من فوهة بندقية ميليشياوية. إن الحقيقة المرة التي تحاول طهران تغطيتها بغبار المعارك هي أن قوتها المزعومة لم تجلب لها سوى العزلة، ولم تجلب لجيرانها سوى الأذى الذي سيرتد حتماً على صاحبه.

لماذا يختار البعض العيش في دهاليز الظلام بينما تشرق شمس السلام على كل الأبواب؟ إن الظلام ليس غياباً للضوء فحسب، بل هو خوف دفين من مواجهة مرآة الحقيقة التي تكشف زيف الأوهام؛ وعندما تصمت أصوات العقل وتدوي قعقعة السلاح ضد الجار قبل البعيد، ندرك أن النجاة ليست في امتلاك الصاروخ، بل في امتلاك الضمير الذي يمنع إطلاقه، فالمد والجزر قد يغيران شكل الشواطئ، لكنهما لا يمحوان أبداً خطايا من لوثوا الماء بالدماء.

2026-04-12

رقصة العقارب في المضيق

على طاولات الدبلوماسية الممتدة في العاصمة الباكستانية إسلام آباد، تنكشف فصول مسرحية سياسية معقدة، حيث انطلقت الجولة 3 من المفاوضات المباشرة بين أمريكا وإيران بتمثيل سياسي رفيع. تخلت اللقاءات عن عتمة الغرف الخلفية والوسطاء لتصبح مواجهات وجهاً لوجه، تجمع قيادات تدرك ثقل اللحظة؛ فمن الجانب الإيراني يحضر رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف ووزير الخارجية عباس عراقجي، وفي المقابل يقف وفد أمريكي مدجج ببراغماتية الصفقات يضم نائب الرئيس جاي دي فانس، والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف، وجاريد كوشنر. تأتي هذه الجهود المحمومة لكسر جمود طال أمده ودفع مسار التهدئة، في محاولة يائسة لتمديد هدنة مؤقتة صمدت لأيام، بعد أن شهد العالم اندلاع الحرب في 28 فبراير، تلك الحرب التي أشعلت جبهات الشرق الأوسط، وزلزلت استقرار أسواق الطاقة العالمية. غير أن رياح إسلام آباد لا تشتهي سفن التوافق، إذ تصطدم المحادثات بجدار الخلافات الحادة، وتحديداً حول ملف الملاحة في مضيق هرمز، حيث تصف طهران المطالب الأمريكية بحرية الملاحة بأنها مبالغ بها وغير مقبولة، متمسكة بحماية ما تعتبره مكاسب في الميدان، رغم مساعي رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف لتقريب المسافات.

في قلب هذه العواصف التي تضرب أطناب الشرق، تقف السعودية كطود عظيم، ترمق هذه التحركات بعين الصقر الذي لا تخدعه بهرجة الدبلوماسية ولا ترهبه حشود الميليشيات. إن مصلحة السعودية هي بوصلة الوجود، ومحور ارتكاز الاستقرار في عالم تتجاذبه الأهواء وتتقاذفه الأطماع. لا تنظر الرياض إلى طاولات إسلام آباد كمتفرج، بل كقوة عظمى إقليمية تدرك أن أمن المنطقة ليس ورقة مساومة تُطرح في مزادات السياسة الدولية. تتكشف الأجندات المعادية بوضوح تام؛ فالمشروع الإيراني، الذي يقتات على تصدير الفوضى وتسليح الممرات المائية، يحاول انتزاع اعتراف دولي بمكاسب وهمية صنعها على جماجم الأبرياء وأنقاض الدول، بينما تتأرجح الإدارة الأمريكية بين رغبة ملحة في التهدئة وحاجة استراتيجية لتأمين تدفق الطاقة. ولكن الرياض تدرك، بوعي جيوسياسي نافذ، أن أي اتفاق لا يستأصل جذور العبث الإيراني ولا يضمن حرية الملاحة وأمن الجوار، هو مجرد استراحة محارب في صراع طويل، وأن العبث بأمن السعودية أو مصالحها هو لعب بالنار التي ستحرق أصابع من يشعلها أولاً.

ولأن التاريخ لا يكتبه إلا من يجيد قراءة دفاتره، فإن أزمة مضيق هرمز الحالية تستدعي إلى الذاكرة فصولاً مظلمة من ابتزاز الممرات المائية. نعود بالذاكرة إلى أيام القائظ في يوليو 1987، حين بلغت حرب الناقلات ذروتها، وحاولت طهران خنق شرايين الاقتصاد العالمي بتهديد السفن التجارية وزرع الألغام في مياه الخليج. يومها، أدركت القوى الدولية أن التساهل مع قراصنة السياسة لا يولد إلا مزيداً من التمرد، فانطلقت العمليات العسكرية البحرية لحماية الناقلات، في رسالة حازمة بأن حرية الملاحة خط أحمر لا يخضع لمزاجيات الأنظمة الثورية. إن ما يجري اليوم في باكستان هو صدى لتلك الحقبة التاريخية، فالمطالب الإيرانية بالاحتفاظ بما تحقق في الميدان ليست سوى محاولة لتقنين القرصنة وتأسيس واقع جديد يكون فيه المضيق رهينة بيد الحرس الثوري. لكن التاريخ يثبت، والسعودية تؤكد بصلابة مواقفها الراسخة، أن محاولات فرض الأمر الواقع عبر الإرهاب البحري مآلها الفشل الحتمي، وأن شرايين الحياة العالمية لا يمكن أن تُترك تحت رحمة نظام يعيش على حافة الهاوية ويستمد بقاءه من اختلاق الأزمات المفتعلة.

أمام هذا العبث الجيوسياسي، تتجلى حكمة الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه حين قال: "من يقاتل الوحوش عليه أن يحذر من أن يتحول هو نفسه إلى وحش، وإذا حدقت طويلاً في الهاوية، فإن الهاوية تحدق فيك أيضاً". إن المفاوضين في العاصمة الباكستانية يحدقون في هاوية من انعدام الثقة المطلق، حيث تتحول الدبلوماسية إلى صراع إرادات على حافة الانهيار. وهنا يبرز رأي خبير الجيوبوليتيك البريطاني هالفورد ماكيندر الذي أكد أن "من يسيطر على نقاط الاختناق الاستراتيجية يمتلك رافعة القوة العالمية المباشرة". هذا هو جوهر الصراع في هرمز؛ صراع على رافعة القوة لا على مجرد ممر مائي تعبر منه السفن. وتتجسد هذه المأساة الإنسانية والسياسية في أبيات الشاعر العالمي تي إس إليوت حين يصور حالة الشلل والعجز في الإرادة الإنسانية قائلاً:

"بين الفكرة

والواقع

بين الحركة

والفعل

يسقط الظل".

هذا الظل الثقيل يسقط الآن على طاولات الحوار، يحجب رؤية السلام الشامل، ويستبدل الحلول الجذرية بمسكنات مؤقتة لا تعالج المرض العضال الذي يفتك بجسد المنطقة منذ عقود.

بالنظر إلى التركيبة النفسية والسياسية للوفود المجتمعة، نجد تبايناً صارخاً يعكس عمق الأزمة الهيكلية في مسار التفاوض. الوفد الأمريكي، بقيادة فانس وكوشنر وويتكوف، يحمل عقلية الصفقات التجارية البراغماتية، يبحث عن مخرج سريع يضمن تدفق النفط ويهدئ الأسواق العالمية التي أصابتها لوثة الاضطراب وحمى الأسعار. إنهم يتعاملون مع خرائط الشرق الأوسط كجداول بيانات اقتصادية تتطلب تسويات رقمية ترضي الناخب الأمريكي وتؤمن المصالح الآنية. في المقابل، يقف الوفد الإيراني، متمثلاً في قاليباف وعراقجي، محملاً بإرث أيديولوجي يرى في التنازل خيانة للمشروع الثوري وتفريطاً في دماء الأتباع. إنهم يفاوضون من فوق أنقاض اقتصاد منهار وعملة متهاوية وشعب يعاني شظف العيش، ومع ذلك يكابرون بلغة المنتصر الوهمي، متخذين من أمن المضيق ورقة ابتزاز أخيرة في لعبة بوكر سياسية مميتة. هذا التناقض الجذري بين عقلية التاجر وعقلية الميليشيا يجعل من الوصول إلى اختراق ملموس أمراً في غاية التعقيد، ويؤكد أن الوساطة الباكستانية، رغم نبل مقاصدها وحيادها المعلن، تسير في حقل ألغام تتداخل فيه الحسابات الداخلية للقوى العظمى مع الأوهام الإمبراطورية للأنظمة المارقة.

في خضم هذا المشهد العبثي والضباب الدبلوماسي، تتجلى عبقرية النموذج السعودي الذي اختار طريق البناء والنهضة والمستقبل بدلاً من طريق الهدم والمغامرات غير المحسوبة في ساحات الوغى المفتعلة. بينما تتوسل طهران لرفع العقوبات الخانقة وتلهث خلف هدن مؤقتة تلتقط فيها أنفاسها المتقطعة، تسابق السعودية الزمن لصياغة مستقبل العالم، وتنويع مصادر دخلها الوطني، وبناء مدن الأحلام التي تعانق عنان السماء حضارة وتطوراً. إن السعودية لا تنتظر نتائج مفاوضات إسلام آباد لترسم سياستها الاستراتيجية، بل تصنع واقعاً اقتصادياً وسياسياً وعسكرياً شامخاً يجعل من أمنها القومي قلعة حصينة تتكسر على أسوارها كل المؤامرات والدسائس. من يعادي الرياض أو يتربص بها، يجد نفسه في نهاية المطاف في مواجهة إرادة فولاذية لا تنكسر، ودبلوماسية هادئة وحازمة تعزل الخصوم وتجفف منابع طغيانهم دون ضجيج. إن المصلحة العليا للسعودية تقتضي تحجيم الأذرع التخريبية في المنطقة، وتأمين الممرات البحرية التي تعد شريان الحياة للاقتصاد العالمي قاطبة، ولن تسمح لأي تسوية أمريكية إيرانية أن تمر على حساب أمنها الاستراتيجي المطلق أو أن تكافئ المعتدي على عدوانه السافر.

لا ينبغي أن يغيب عن أذهاننا أبداً أن الحرب التي استعرت نيرانها في 28 فبراير لم تكن حادثاً جيوسياسياً عابراً، بل كانت نتيجة حتمية ومباشرة لتراكمات طويلة من غض الطرف الدولي عن التجاوزات الإيرانية المستمرة في زرع الخلايا وتصدير الطائفية. الأرواح التي أُزهقت في تلك المعارك الطاحنة، والدمار الذي طال البنى التحتية للدول المجاورة، والاضطرابات العنيفة التي عصفت بأسواق الطاقة، هي فاتورة باهظة تُدفع من رصيد الاستقرار العالمي نتيجة محاولة القوى الكبرى استرضاء نظام لا يفهم إلا لغة القوة والردع الحاسم. إن الهدنة المؤقتة التي دخلت حيز التنفيذ لا تعالج الجرح الغائر في جسد الأمة، بل تخفيه تحت ضمادة مهلهلة سرعان ما ستنزف من جديد. استمرار تبادل الرسائل عبر الوسطاء الباكستانيين يعكس حالة من انعدام الثقة المطلق، حيث يخشى كل طرف أن يُظهر أدنى تنازل يُحسب عليه كعلامة ضعف وانكسار. وفي هذا السياق الدقيق، تبدو المطالب الأمريكية بحرية الملاحة مطلباً بديهياً في أي نظام دولي يحترم سيادة القانون وحرية التجارة، إلا أن طهران تصوره كمطلب مبالغ فيه، في محاولة يائسة لقلب الحقائق الساطعة وتصوير الجاني المعتدي في ثوب الضحية المدافعة عن سيادتها المزعومة على ممرات دولية لا تملك حق مصادرتها.

تستمر فصول المفاوضات الشاقة، وتتوالى التصريحات المتناقضة من طهران وواشنطن، لترسم لوحة سريالية من التجاذبات السياسية التي لا تنتهي. التلفزيون الرسمي الإيراني يبث رسائل الصمود الداخلي لتخدير الجماهير، بينما تنقل وكالاتهم الإخبارية رفض المطالب رفضا قاطعا، في مسعى مدروس لتهيئة الشارع الداخلي المأزوم لأي سيناريو محتمل؛ سواء كان انهيار المفاوضات بالكامل أو تقديم تنازلات مؤلمة تحت غطاء بلاغي يزعم الحفاظ على المكتسبات الميدانية الخيالية. ومن قلب صالونات القرار في أمريكا، تصدر التصريحات المقتضبة التي تؤكد استمرار المحادثات، في محاولة للحفاظ على نافذة الأمل مفتوحة وتجنب انهيار الأسواق العالمية التي تراقب مضيق هرمز بحبس الأنفاس وترقب شديد. وبين هذا وذاك، تواصل إسلام آباد جهودها الدبلوماسية المكوكية بين الوفود، مدركة تمام الإدراك أن فشل هذه الجولة المفصلية يعني العودة السريعة والمروعة إلى مربع الحرب المفتوحة التي ستطال شرارتها الجميع دون استثناء. وسط هذا الضجيج المفتعل والمساومات الرخيصة، يبقى الصوت السعودي هو صوت العقل الرزين والحزم الأكيد، محذراً العالم بأسره من أن سياسة أنصاف الحلول والهروب إلى الأمام لن تجلب إلا مزيداً من الدمار والخراب لمنطقة لا تحتمل المزيد من المغامرات الصبيانية.

إن الصراع المستدام في هذه البقعة الجغرافية المعقدة يتجاوز حدود السياسة التقليدية ليمس جوهر الطبيعة البشرية والميل الفطري نحو الهيمنة وتطويع الجغرافيا لخدمة الأيديولوجيا العمياء. عندما تتحول الممرات المائية الحيوية، التي وُجدت أصلاً لربط الشعوب وتسهيل تبادل المنافع، إلى خنادق مظلمة للابتزاز المتبادل، وعندما تُصبح طاولات الحوار ساحات لتبادل الرسائل المشفرة والتهديدات المبطنة بدلاً من صياغة مستقبل آمن ومزدهر، ندرك يقيناً أن الخلل الأكبر يكمن في عمق النظام العالمي الذي فقد بوصلته الأخلاقية وبات يساوم على المبادئ مقابل البراميل. السعودية، بوزنها التاريخي الشامخ ورؤيتها المستقبلية الوثابة، تقف حائلاً صلباً دون انهيار هذا النظام في منطقتنا، متسلحة بإيمان عميق لا يتزعزع بأن الدول العظيمة تُبنى بالإعمار الفعلي لا بالدمار الممنهج، وأن السيادة الحقيقية تتجسد في توفير أسباب الحياة الكريمة والرفاه للشعوب، لا في الزج بها كوقود رخيص في أتون حروب عبثية من أجل شعارات بالية لم تجلب سوى الخراب والتخلف والتمزق. إنها ملحمة مستمرة وعميقة الجذور بين قوى الحياة والبناء وقوى الموت والدمار، بين من يزرع الأمل في صحراء المستحيل، ومن يزرع الألغام في دروب البشرية.

إذا كانت القوة في عالم اليوم تُقاس حصراً بالقدرة على خنق شرايين الحياة وتهديد الممرات التي تتنفس منها الأمم، فما قيمة الوجود الإنساني برمته في ظل هذا العبث الدائم، وهل نحن محكومون كبشر بالدوران العبثي في حلقة مفرغة من الهدن المؤقتة والحروب المؤجلة حتى تفنى الحضارة ذاتها وتأكل نفسها؟

إن الإجابة لا تكمن في اتفاقيات هشة تُكتب بحبر الخداع والمناورة على ورق المصالح العابرة، بل في صحوة كونية عارمة تعيد صياغة مفهوم القوة من جذوره؛ قوة لا تُقاس بعدد الرؤوس المتفجرة أو القدرة السلبية على إغلاق المضائق، بل بقدرة الأمم الحية على خلق فضاءات من النور تتجاوز جغرافيا الدم والبارود، حيث ينتصر في النهاية من يبني جسوراً متينة تعبر عليها أحلام البشرية نحو الغد، لا من يحفر خنادق مظلمة لدفنها حية.

2025-12-06

بلاغة الصمت تهز العالم

في تلك الحقبة الرمادية من مطلع القرن العشرين، حين كانت السينما لا تزال تحبو في مهدها الصامت، وكانت الصورة لغة كونية لا تحتاج إلى ترجمان يفك شفرتها، بزغ نجم تشارلي تشابلن كأيقونة عصية على النسيان في سِفر الذاكرة البشرية. لم يكن هذا الرجل القادم من ضباب لندن الكئيب مجرد عابر سبيل في عالم الفن السابع، بل كان فيلسوفاً وجودياً يرتدي ثياب متشرد، وقديساً دنيوياً يعبث بعصاه الخيزران الرقيقة في وجه البؤس العظيم. لقد نجح، بعبقرية نادرة، في تحويل الفقر المدقع والجوع الكافر الذي كابده طفلاً في ملاجئ الأيتام وأزقة لندن الخلفية إلى ملحمة بصرية باذخة، جاعلاً من شخصية "المتشرد" (The Tramp) مرآة اجتماعية صافية تعكس أوجاع الطبقات المسحوقة التي وجدت في تعثراته المضحكة انتصاراً لكرامتها الجريحة، وفي هروبه الدائم من رجال الشرطة نوعاً من الحرية الفوضوية التي عزّت عليهم في واقعهم الاقتصادي المرير. إن ملابسه بحد ذاتها كانت وثيقة احتجاج؛ فالسترة الضيقة، والسروال الفضفاض، والقبعة التي تحاول حفظ ماء الوجه، والحذاء الذي يفوق مقاس قدميه، كلها كانت ترمز لعدم توافق الإنسان البسيط مع مقاييس عالمه القاسي. 

 تجلى هذا العمق الإنساني بوضوح ساطع في يناير 1921، حين أطلق تشابلن فيلمه الخالد "الفتى" (The Kid)، الذي لم يكن محض شريط للضحك العابر، بل كان دوزنة دقيقة لأوتار الروح بين الابتسامة المشرقة والدمعة المالحة. في هذا العمل، سكب تشابلن حزنه الشخصي وذكريات طفولته البائسة ليصنع لوحة فنية عن الأبوة التي تنبت كزهرة برية عنيدة في قحط الفقر، مؤكداً للعالم أن العاطفة الصادقة لا تحتاج إلى حسابات بنكية أو أنساب رفيعة لتنمو وتثمر. لقد كان مشهد المطاردة عبر الأسطح لإنقاذ "الفتى" من أيدي موظفي الرعاية الاجتماعية تجسيداً للصراع الأزلي بين دفء العلاقات الإنسانية وبرودة البيروقراطية الحكومية، مما جعل الفيلم وثيقة اجتماعية دامغة تتجاوز حدود الترفيه. 

 وحين دارت رحى الصناعة الثقيلة وسحقت تروسُها روحَ الفرد في منتصف الثلاثينيات، انتفض هذا الفنان الصامت في فبراير 1936 عبر تحفته السينمائية "الأزمنة الحديثة" (Modern Times). في هذا العمل، حول تشابلن جسده النحيل وحركاته البهلوانية إلى صرخة احتجاج مدوية ضد الآلة الرأسمالية الجبارة التي حولت البشر إلى مجرد أرقام صماء في قوائم الإنتاج الضخم. كانت رقصته الهستيرية وسط التروس والمسننات سخرية مريرة من عبثية التكديس المادي على حساب الروح، ومحاكمة فنية للنظام الاقتصادي العالمي في ذروة أزمات "الكساد الكبير". لقد استشرف بذكاء حاد مخاطر التحول إلى "الإنسان الآلي"، سابقاً عصره في نقد العولمة المتوحشة وتسليع البشر قبل أن يُصك المصطلح بعقود طويلة. لم يكن مشهد "آلة الطعام" التي تحاول إطعام العامل قسراً لتوفير الوقت إلا نبوءة مخيفة عن هيمنة التكنولوجيا على أخص خصائصنا البيولوجية. لقد آثر تشابلن أن يبقى في ذروة مجده أيقونة للصمت البليغ، مدركاً أن الإيماءة الصادقة والنظرة المعبرة التي تنبع من معاناة الإنسان البسيط قد تكون أبلغ أثراً وأبقى خلوداً من ألف خطبة سياسية عصماء. 

لقد رحل عن عالمنا بجسده، لكنه ترك خلفه عصاه وقبعته وإرثاً فنياً يطرح علينا سؤالاً أزلياً معلقاً في وجدان الحداثة: هل كان هذا "المتشرد" يضحكنا حقاً لتسلية وقتنا الضائع، أم كان يمرر من تحت قناع الابتسامة البلهاء مراثي عصرنا المادي الذي ما زلنا -دون وعي منا- ندور في تروس آلاته العملاقة، تماماً كما تنبأ في رؤيته البصرية الثاقبة؟ إنها تراجيديا العصر الحديث التي صيغت بمداد من ضحك، لتبقى شاهدة على أن الفن الحقيقي هو ذلك الذي يخرج من رحم المعاناة ليضيء عتمة العالم.

2020-08-15

يا فراشة!


 أينك عني يا وردية، يا فراشة؟

أين الليالي الحبيّة

حين تقولين: أنتَ من السماء هدية

أين اشتياقاتكِ الذي تقاتلين؟

أين استعداداتكِ لأن تقامرين؟

أين تيك الحياة المُذهبة السرمدية؟

أينكِ عني يا وردية، يا فراشة؟



أين ذيك الانتعاشة؟

حين آتي بالليل وتركضين؟

على الباب، وتحضني ذاك المسكين؟

الوَهِنِ، المسلوبِ، ذاك الضنين

وتومئين: شفتاي، أم صدري

وتخجلين

أين ذاك الحنين؟

هل من حائك يؤخذ عنه قماشَه؟

أينكِ عني يا وردية، يا فراشة؟


يا رشيقة القد، يا غشَّاشة

أتفرحين من دوني وتمرحين؟

وعاشقكِ مكلومٌ، ألا تدرين؟

الوردُ في يديه يعاني ارتعاشَه

وأنتِ مشغولةٌ كعادتك تصدين

يا لذا المسكين، رُقيُّهُ أتُراهُ حَاشَه؟

عن الكلامِ؟ عن الوردِ؟ عن الظنِّ

لا بأس، لا هم يثنيه

ولا عن حبكِ كونٌ حاشَه


وتَبدئين كعادتكِ وتتكهنينَ، وتُنهين

وتُمانعين وتَتجبرين وتَمنحين

مهلا للصفح، والرفءِ، وتَلعنين

وأنا تائهٌ بينكِ وبينَ بينكِ

أينكِ عني يا وردية، يا فراشة؟

2020-08-05

حتى تتحرر الدولة من الدولة!


انفجار بيروت الهائل الذي فجَّر جراحا جديدة في جسد لبنان، يجبرنا على العودة إلى الحديث عن حزب الله.. 
التنظيم الذي حوّل رئة الشرق وجنته، إلى بلد ضعيف واهن، يحنُّ للعودة إلى تاريخ مجيدٍ عَهِدَه.. 
بلد أثقله الدائنون ومثقلٌ بالعاطلين.. 
بلد للفساد فيهِ مرتع، ووجهته نحو طهران ترجِع..

كل هذا، بدأ ولن ينتهي، حتى تتحرر الدولة من الدولة.. 
التي تسكنها وتتخبَّط بها. 



النص بصوت الزميل صهيب شراير:


2020-07-02

مجالسة الهادئين!


الرابط لا يستهان به بين هدوء المرء، وانعكاس ذلك على حياته ومن حوله. أخذ الأمور بشيء من الرَّوية، يروي جوانب كثيرة، ويُحسِّن ما يُنبته العقل على ضفاف الأفكار، فتنضج زوايا النظر، وتسمو الروح، لتلامس سلاماً يُعد نادرا هذه الأيام، وحكمة نفتقدها ونرغب بها.

والتصدي للأحداث برد فعل مبالغٍ فيه، يسيء أكثر مما يطيِّب، ويحدث فراغا في رحلة البحث عن أجدى قرار يُتخذ في وقتها، وإن تم اتخاذه، فلن يكون إلا بعد تردد بين أسوار الوقار التي كسرها الصَّوتُ العالي، والجموح الجنوني عن "أحسن تقويم" جُبِلنا عليه.

مأساة الشخص الهادئ، تكمن في البداية، بالتعريف بأن ردة فعله ليست لا مبالة، وليس لها صلة قرابة بالبلادة، وإن حُفّت بشئ منها أحيانا! وبعد ذلك، يحدث أن ينفر منه البعض، لأنه – أي الشخص الهادئ – لا يسبح مع التيار، فهو ليس سمكة ميِّتة، فقد لا يُعتد بأهمية حضوره في التجُّمعات، ولا يتم البحث عنه بين أكوام القش، وإن حدث هذا، فهو لحاجة أو سبب غير الأسباب المتعلقة بهاتف شخص لا يتوقف عن الرنين والتنبيهات، لكثرة من يسألون ويسلِّمون ويتوقون للقاء!

لكلٍ ميزاته وعيوبه، ولكن عن نفسي، أفضِّل مجالسة الهادئين، الذين يشتاقون بهدوء، ويبحثون عنك بهدوء، ويعذرونك بهدوء، الذين يُحدِّثونك وكأنهم يهمسون، وإن ساءهم أمر لا يغضبون، ويُشعرونك دائما أن الدنيا بخير.

2020-07-01

2020


وبعدُ يا عشرين عشرين

ما الذي لم يفُتْكَ من ضرر

ولم تغنِّ حوله: "ما أصغر البشر"

آليت أن تعنِّينا.. تشقينا.. 

تلوكنا وترمينا.. 

وحين نصمت، تزعجنا بذاك الرنين

 

وبعدُ يا عشرين عشرين

أمواجُ بحرك ليست سوى ترابية

أثقلت بها رقيقَ أرجوحةٍ شراعية

وأوغلتَ في التصنيف.. في التعنيف

ففقدنا زهرة الحياة.. وذاك الحفيف

عوّدتنا على الشوق، على نار الخريف

وأرهبتنا بوحدةٍ في حضنك الضنين


وبعدُ يا عشرين عشرين

ربما لم نُحسن قراءة رقمِك

وكيف أنه يتكرر عُنوة في اسمِك

لتُضاعِفَ علينا الهمَّ والغمَّ مرتين

وتزيدَ الهواء سُمَّاً، والحزن كمَّاً

ونحنُ إلى رصيف الانتظار مصفَّدين


وبعدُ يا عشرين عشرين

نحن فَقدْنا، وفُقِدنا.. ألم تمِل؟

على الإساءة جُبِلت، ألن تزِل؟

نحنُ عبثاً نضحكُ بقلوب تبكي

والأنجُم سمِعتنا وغدَتْ عنّا تشكي

لن ننساك يا عشرين عشرين


سنذكرك كل يوم حين نلمحُ:

"صنع في الصين"

2020-05-06

دراما رمضان.. الرغبة العمياء!




كل عام يعود شهر رمضان، وقبل حتى أن يبدأ، تتسابق إلينا محاولات تشويه أعمال رمضانية بعينها، تـُعرض على وسائل إعلامية بعينها أيضاً، أعمالٌ لم يشرق عليها حتى صباح غُرة رمضان. 

وبعدها، يُساق إلينا الجدل على كفوف الرَّغبات. الرَّغبة العمياء في الشيء، تُورثه افتقاد المنطق والبعد عن الموضوعية، هذا ما يردده أهل الخبرة، فالتاريخ والحقائق لا تـُساق إلى ما ترغب به أهواؤنا، بل على ما سهر عليه المؤرخون. 

وحتى الرسائل التي بين السطور، كانت الأيام سردتها من قبل بتجرُّد، ولكن وضعها تحت بقعة ضوء الحقيقة، مزعج للبعض! والحكم في النهاية - وفي كل الأحوال - للمشاهد. 

2020-04-21

تهاوي النفط!


منذ البارحة.. والحديث عن السقوط الحر لأسعار العقود الآجلة للنفط الخام الأميركي، لم يتوقف، ما بين متوجِّس خائف، وفئة مقللة من شأن ما يحدث، وآخرون يراقبون، غير مستوعبين ما يحصل.. وهم السواد الأعظم.

كورونا تسبب بكل هذا.. أوقف عنا رحلات الطيران، وقلل إلى أدنى حد أعداد السيارات التي تقطع المدن، وقضى على حركة السفن السياحية في معظم أرجاء العالم، وعلَّق عمل الكثير من المصانع.

كل هذا كدَّس براميل النفط، فقل الطلب إلى أدنى مستوياته، وعاظم مع هذا القلاقل: إذا أصبح سعر النفط الأميركي بالناقص، هل يجب حقا أن نقلق؟

الكل يجمع على أن تبعات انتشار فيروس كورونا لم تتوقف.. والمفاجآت على الصعيد الاقتصادي خصوصاً، ستتوالى تباعا، كل هذا طبعا وفقا للخبراء.



محاكمة المنظمة!


أسوة بالكثير من المنظمات الدولية حين تـَخذل من يأمل منها الكثير؛ ترتهن "الصحة العالمية" الآن لأغلال كرسي الاتهام، في حملة ضروس تقودها أكثر دول العالم تضررا من كورونا.. الولايات المتحدة.

البعض يرى في المنظمة ذات السبعين عاما أنها قدمت وتقدم ما عليها.. فموجة الجائحة أكبر من أن توقفها، وأشد من أن تثنيها، وأن مَن تساهل وسخر ثم أخفق في بداية انتشار كورونا، لم يجد أمامه سوى المنظمة ليعلق عليها مشاكله المتكالبة.

والبعض الآخر يرى في المنظمة مثالا على أكثر أبنية المنظمات العالمية التي ينخرها الفساد، وتقبع بين رَدْهاتها الانتقائية، وتجثم على قراراتها مصالح ذاتية.

أو كما يقول السفير والوزير السعودي الراحل غازي القصيبي: ضمير العالم المكروب لا يَضيره أن يرقص قليلاً.

2020-04-10

أبعد من كورونا!


الصراع بين واشنطن "ذات الصوت العالي" وبكين "التي تعمل بصمت" لم يطفُ على السطح وحسب، بل رافق فيروس كورنات أينما حل. الصين التي تقف بشموخ الآن، مستغلة نشوة رفع إغلاق أوهان، ربما هي تراقب الآن مَن يمتدح إجراءاتها وتـُذهله، ومَن هو متعجب مستغرب.. تراقب الجميع، حتى الذين يُكذِّبون ما يحدُثُ في الصين، بعد أن اتهموها بأنها تكتمت على الأمر وضللت المنظمات والعالم في بدايات تفشي الفيروس.

النظريات حول بدايات كورونا لا تـُعد، ومعظمها لا يخلوا من ذكر اسم الصين الشمولية والغرب الرأس مالي، لنعود إلى نقطة البداية.. معادلات الأقطاب، وما يطلقون عليه صراع تسيّد العالم اقتصاديا، وبالتالي كليا.

سواء كان الفيروس صينيا - بحسب دونالد ترمب - أم لا.. الواقع يقول أن كورونا الذي اخترق كل الحدود دون جواز سفر، زوّد البشرية بالكثير من التلميحات حول أمور ستتغير حتما، على كل المستويات، ما يؤثر بالضرورة على مفهوم المركز العالمي.. الصين الشاخصة أم الولايات المتحدة الغارقة.. أم ما لا نتوقعه.. ربما. 

رسالة إلى كورونا!


لا يزال العالم ينتظر ذاك الحل السحري لكل ما يعانيه ويؤلمه.. اللقاح الأسطوري الذي يبث الروح من جديد في قلب كوكب الأرض، فيخرجه من ذاك الطريق، ضيق الأفق كئيب المنظر. لا يزال ينتظر ذاك الماء البارد بعد ظمأ الصحراء، والنسمة العليلة في حرِّ الرَّمْضَاء. لا يزال يأمل انفراجة، ويتأمَّل في الإنسان ما أقلَّ حيلته أمام أصغر الأشياء. 

متى سيحين الوقت، ويكتب البشر رسالته لفيروس.. رسالته ستكون:
كورونا.. حتى وإن انتهى هذا الجثوم على مفاصل الأرض، لن ننساك، وسنتجاوز مساوئك وما حققت من آلام، وسنبقى حذرين متأهبين. سنتذكرك فقط بتلك الخصال الجيدة التي أحييتها فينا.

2020-03-26

البشرية تستنفر


لايزال كورونا الذي مللنا من سماع اسمه، يُطبِقُ على مفاصلِ دولنا ويمنعنا من تنفسِ الهواء خارج منازلنا.. كما تعوّدنا. لايزال يمنعُ عنا السلام وتحقيقَ الأحلام. 

لايزال يسيطر على عقولنا، ويرتبط بكل فكرة أو خاطرة تتعلق بالغد. لايزال يطرح ألف سؤال دون إجابة واضحة.. وألفَ إجابة دون تبريرات مقنعة. ولم نعد نسمع سوى: واصل بقاءَك معزولا.. وواصل تفاؤلك.. عسى أن تنجلي هذه الغيمة المشؤومة قريبا.

كل شيء أمسى فريدا هذه الأيام، فريدا لدرجة أنه يحدث لأول مرة على وجه البسيطة. ما نفعله وما يُفعل بنا.. فمن كان يتوقع كل هذا؟! من سيشرح أن كل هذا التطور البشري، نازلـَهُ فيروس، وفتكَ بالآلاف وفرّق المليارات من الأرواح وعزلها، لا لتفعل شيء غير المراقبة.. فيروس هزم البشرية باعتراف الجميع.. على الأقل حتى الآن.


2020-03-25

منع التجوّل


عام 1918، حدثت أسوأ كارثة طبية في التاريخ.. فقد أصابت الإنفلونزا ثلث سكان العالم، وقتلت نحو خمسين مليون شخص. العلماء حللوا ما حصل في تلك الحقبة، ووجدو أن الوباء كشف عن عدد الأرواح التي يمكن إنقاذها عن طريق التباعد الاجتماعي.. فالمدن التي ألغت الأحداث العامة كان لديها حالات أقل بكثير، وبالفعل بعد تطبيق هذا المبدأ، قضي على تفشي الوباء.

اليوم حظر التجول الجزئي أو الكلي، تفرضه دول عدة، بعد أن طبقته الصين بصرامة، ونجحت في عدم تسجيل حالات جديدة لعدة أيام. 

ما قالته الكاتبة الكوبية أنيس نين عام 1931 قد ينطبق كثيرا على حالنا هذه الأيام.. تقول:
"ما نسميه مصيرنا هو حقا شخصيتنا، ويمكننا تغيير تلك الشخصية. المعرفة بأننا مسؤولون عن أفعالنا ومواقفنا الآن لا تحتاج إلى من يحبطنا، لأنها تعني أيضا أننا أحرار ومعنيون في تغيير هذا المصير".

الإنسان أهم


لا توجد حكومة في العالم لم تتخذ إجراءات ضد مواجهة انتشار وباء كورونا. إجراءات صارمة وجادة، تتوعد فيها المخالف بعقوبات كبيرة.

 إجراءات لم تهتم لأي شيء.. أكرر أي شيء.. سوى حياة النفس البشرية، فهي أغلى من أي اقتصاد، وأحق بالبقاء من أي إنجاز أو عمل. 

 قد يكون منع التجوّل مملاً للبعض.. ويشكل هواجس عند آخرين، لكن الأمل في أن نَعبُر بخير إلى ضفة الحياة الطبيعية من جديد، هو دافعنا لأن نتحمل البقاء معزولين، من أجل أوطاننا.. من أجل من نحب.. من أجلنا. فالسؤال هنا: كم نحن على قدر المسؤولية، وليس متى سينتهي كل هذا.

 يقول الفيلسوف الفرنسي جاك أتالي:
"لحسن الحظ، هناك درس آخر من هذه الأزمات هو أن الرغبة في الحياة هي الأقوى دائمًا. يتغلب البشر في النهاية على أي شيء يمنعهم من الاستمتاع باللحظات النادرة لمرورهم على الأرض".

2020-03-23

بيتك.. حياتك


لم يعد الحديث عن غير كورونا ذي معنى.. هذه الأيام. الفيروس الذي لم يحاول اختراق أجسادنا فقط، بل اخترق عقولنا وحياتنا الاجتماعية، وأثَّر أكثر ما أثر على اقتصاد كوكبنا، الذي سيحتاج إلى فترة طويلة ليُشفى بعد أن نـُشفى نحن من تبعات مصاحبتنا لهذا المارد، لأشهر نرجو أن لا تمتد أكثر.

أثبت التاريخ أن كل شيء يُستطاع تعويضه؛ فأطفالنا سيستطيعوا استدراك ما فاتهم من تعليم، وأقاربنا وجيراننا وأصدقؤنا، سنعود لنلتقي بهم ونسلِّم عليهم دون هواجس، وشمس الحياة ستشرق على الكثير من الشوارع بعد أسابيع من ظلمة الركود، وحتى روما، قد نجد الطرق إليها مرة ثانية. كل شيئ يُعوض مشاهدينا الأعزاء إلا حياة البشر.. 

فابقوا في منازلكم.

2020-02-24

المقاعد المعممة!


في مرحلة عقوبات لم تشهد لها إيران مثيلاً، وبطالةٍ وتضخمٍ وكبت للحريات الشخصية، لن يُتوقع أن يظفر بأغلبية مقاعد البرلمان الإيراني، سوى من هم أشد على الشعب المغلوب، وأقرب للحاكم الأوحد للبلاد.. علي خامنئي. 

الحرس الثوري ظفر بمعظم مقاعد البرلمان، الذي كان الأمل الوحيد لرفع الظلم عن الشعب الإيراني، تحت قيادة لا تعترف بالداخل كما تصدير الثورة والتدخل في الخارج.

يقول رئيس الوزراء السابق للاتحاد السوفييتي فلاديمير لينين: يُسمح للمضطهدين مرة كل بضع سنوات أن يختاروا ممثلٍ عن الطبقة المضطهدة في البرلمان، ليقمعها.

ضجيج فيروس!


بعد نحو ألفين وخمسمئة وفاة، ونحو ثمانين ألف إصابة، في ثلاث وثلاثين دولة وسفينة، بات طبيعيا أن تـُستنفر الهواجس عند الناس، وتدور بهم الدوائر! 

فيروس كورونا.. ما هذا المرض الغامض الذي يستنفر دول العالم؟ وكيف بدولة كالصين، المتقدمة في كل شيء، أن تقف شبه حائرة أمام هذا المارد الجاثم على صدر اقتصادها؟ أهي حرب بيولوجية تستهدف البشر لأن أعدادهم تخطت قدرة موارد الأرض؟ هل الأمر جدِّي ويستدعي كل هذا الضجيج في السباق لأحدث الأرقام، وهذه الجلبة الإعلامية؟

وبالرغم من أن معدل الإصابة قل، إلا الفيروس قد ينتقل حتى دون الاختلاط بالمصابين أو بالسفر للصين، كما أكدت منظمة الصحة العالمية، ما زاد الحيرة، وفاقم الخوف.

2020-02-22

الفيروس النفسي!


الخوف من الإصابة بالمرض، تتفوق أحيانا في أعراضه على أعراض المراض نفسه، هذا عندما يتحوَّل هاجس الوقاية، إلى وسواس. 

فيروس كورونا نشر مع انتشاره في العالم، آثارا نفسية، صحية واجتماعية واقتصادية، دلالاتها كبيرة.. 
الكمامات نفدَت، والسلام التقليدي قلّ. المشورات الطبية انتشرت، وكذلك متابعة أخبار المصابين، وآخر ما تبثه بكين. حدودٌ أغلقت، وأعين الاقتصاديين والمصنِّعين أصبحت معلَّقة على مؤشرات الأسهم وأرقام المبيعات.

هذه الحالة طوَّرها "كورونا" المتطوِّر.. فهل يجب أن يؤثر على الحالة النفسية أيضا.. إلى هذا الحد؟

الحلم الأفغاني!


يقول الشاعر الأفغاني عزيز سلطان آراش عن بلاده في السابق: 
كان البشر يزِّينون الأمكنة 
بحرِّية الحركة
وعدالة اللغة

كان الحب طازجا 
والنساء مثل الحرير البكر
والرجال أقل شراسة 
وجنونا.

أفغانستان.. نقطة الاتصال القديمة لطريق الحرير، والهجرات البشرية السابقة. وموطن حضارات بقي منها ما بقي، ودمَّرت الحروب ما دمَّرت. اليوم، الوضع معقد سياسيا في أفغانستان. الكثير من الأحداث والمؤتمرات والطموحات، والأكثر، هو الرغبة الصادقة لدى الأفغاني الوطني، أن يَأمن ويرتاح بعد عقود من التدخل الخارجي والعراك الداخلي.

علاقة أفغانستان بالسعودية تارخية ممتدة، في السياسة والأمن والاقتصاد، والرياض تدعم كل جهود السلام في أفغانستان، وعملية المصالحة مع طالبان، بعد حرب مستعرة منذ سبعة عشر عاما.

سرقة النهار!


يُقال أن الحروب الداخلية لا تقضي على الفساد، وإنما توفر فرصا جديدة له. تماما كما يحدث في اليمن.. ملايين المشرَّدين يئنِّون، الجوعى يُعانون، والمرضى يموتون، وميليشيات الحوثي تساوم مساعدي البلد المنهار: النهب مقابل السَّماح.

تقرير جديد نشرته الأمم المتحدة، ولم يكن الأول، يتحدث عن أن ثلث المساعدات الخارجية لليمن، والتي تقدَّر بمليارات الدولارات، تذهب لجيوب قادة ميليشيات الحوثي، عن طريق قطع الطرق على المساعدات، وفرض شروط جشعة على توزيعها، منها مثلا أن تحصل الميليشيات على اثنين في المئة من الميزانية الكلية للمساعدات.

التهديد بطرد المنظمات الإنسانية، وبناء جملة من العوائق على تحركاتها في مناطق سيطرة الحوثي، فاقم أزمة بلد على شفا مجاعة، إذ يحتاج نحو ثمانين بالمئة من السكان، إلى مساعدة.

2020-02-20

الخبر السيئ!


تأثيرات فيروس كورونا تخطت صحة البشر إلى صحة شركة أبل، عملاق التكنولوجيا في العالم، التي ساقت هذا الخبر السيئ: ربما لن نحقق أرباحنا المتوقعة، للربع الأول من هذا العام.

الصين.. أكبر مَصنع وسوق للهواتف في العالم، وبسبب انتشار "كورونا" تأثر إنتاجها بشكل كبير، بعد زادت مدة عطلة اللسنة القمرية الجديدة، وقلصت بعض مصانعها ساعات العمل.

إلى متى سيبقى التأثير على صناعة الهواتف، وهل ستتسع رقعته، وما الحلول أمام شركات التكنولوجيا؟ أسئلة ربما تصعب الإجابة عليها، قبل أن تنقشع غـُمة الفيروس.

مأزق السيطرة!


ربما لم يخطر في بال المحتجين مطلقي عبارة "كلن يعني كلن" في لبنان، أنها ستجعل تنظيم حزب الله وأتباعه يكشرون عن أنيابهم أكثر، بعد أن كان الحزب أصدر بيانا في بداية الحراك يعلن فيه عن تأييده لإصلاح حال المجتمع المكلموم.

هذا ما جاء في تقرير نشرته مجلة Foreign Policy الأميركية، التي أشارت إلى أن الحزب، وقع في مأزق عندما شعر بخطر يهدد وجوده ويقطع عليه أصابعه، فأزال عن وجهه قناع المتضامن الحالم مع المتظاهرين، فظهر الضرب والخطف والتكسير، وإصدار البيان تلو البيان، تأييدا للطبقة السياسية الحاكمة وقتها.

وبعد أن استقال الحريري، وقف حزب الله مجددا في وجه تحقيق مطالب المحتجين، معينا في الخفاء حكومة ظل، راضخة له، ومعززة لقبضته على أوصال البلاد.

نهاية المسرحية!


في الزمن الذي نعيشه، لم يعد ينطلي على أحد الطموح السياسي الذي يتزيَّن بالدين، ويجند خلفه عقول الناس وقلوبهم، من خلال استغلال عواطفهم وما يؤمنون به.

عبدالله غل، رئيس تركيا السابق، قال في تصريح نادر إن الإسلام السياسي انتهى من العالم. غل رفيق درب أردوغان ومؤسس حزب العدالة والتنمية معه، لم يكتف بهذا، بل أردف قائلا إن الحزب حاد عن مبادئة الأساسية، الاعتدال، والحرص على عدم استخدام الشعارات الدينية في خطاباته السياسية.. قاصدا بجلاء، أن هذا الحياد عن المبادئ يأتي الآن على يد أردوغان ونظامه.

إن رغبة الإسلام السياسي في السيطرة والإخلال بالأنظمة، مسرحية فـُضحت على يد تنظيم الإخوان، ومن بعده القاعدة وداعش.. رغبة لم نجد منها سوى التعقيد والتهجير والدم.

2020-02-19

خف القلق!


ضُبـِطَ معدَّل انتشار كورونا.. وفـُقـِد تسارع موت ضحاياه، حتى وصل نحو 1900على مستوى العالم.

منظمة الصحة العالمية خففت من حدة نبرة التحذير من الفيروس، وامتعضت من "المبالغة في اتخاذ إجراءات الحد من انتشاره"، فيما لم يُعلن حتى الآن عن دواء رسمي لعلاج كورونا أو لقاح للوقاية منه.

المعروف حتى الآن أن غمامة القلق العالمي بدأت تنقشع، وانتشار الفيروس بفضل الإجراءات الاحترازية والمحاجر الصحية، سُيطر عليه.. على الأقل في عالمنا العربي.

9 مقابل 1


تسعة مقابل واحد.. لم نسمع بهذا من قبل في منافسة رئاسية، عيارها عالمي، ومعيارها: ترمب.. مقابل خصومه من الحزب الديمقراطي. 

المنافسة ليست لشراء المشاعر، بعدما رفعت إدارة الرئيس الحالي دونالد ترمب سقف الإيفاء بالعهود. من القضاء على داعش وضرب إيران في أهم قادتها، إلى خفض نسب البطالة وبناء السور. وعود كانت صعبة التصديق، لكن ترمب أثبت أنه له قاموسه الخاص.

وبعد كل الضربات التي وجهها ترمب للحزب الديمقراطي.. الجادة منها والساخرة، ما حظوظ بايدن وساندرز ووارن.. والبقية؟ أمام اعتزاز ترمب بنفسه، الأعظم هذه الأيام، فلا منافس جدي له حتى من داخل حزبه الجمهوري.

أجندة الفوضى!


لم ينقض الغبار الذي أثارته ما تعرف بالثورات العربية، حتى انكشفت نوايا الحرب التي نصَّب لها تنظيم الإخوان طاقاته، وعزز إليها كل مآلاته. لم تكن الديمقراطية إلا صورة مجمَّلة لواقع أسود، يتوق إليه تنظيم الإخوان، فيتوسع به في كل شبر - ما استطاع -. 

الخليج العربي لم يكن بمنأى، وفق تفاصيل حصرية كشف عنها فيلم "أجندة الفوضى" الذي بثته العربية البارحة. وكشفت من خلاله عن طموحات التنظيم التي يذعن بها أحد قادته (طارق السويدان) في السودان، قبل أن يَنفذ الأخير أخيرا من قبضة التنظيم المهترئ الآن.. إلا من بعض بقاياه في تركيا وقطر.

2020-02-10

التقنية المرعبة!


تعارفنا على أن تساهم التقنية في تحسين حياتنا.. وتعزيز جودتها وإثرائها. ولكنهم يقولون دائما إنها سلاح ذو حدين، فكما عندنا جهاز التحكم في المنزل يغير القناة، هناك جهاز تحكم عن بعد لطائرة مسيَّرة قد يدمِّر أهدافا. 

هذا ما عززه فيروس كرونا منذ ظهوره، فالتقنية نشرت أخباره واتساع انتشاره في الصين وخارجها، والتقنية أيضاً ساعدتنا على فهم الفيروس وأساليب الوقاية منه، لكن التقنية ذاتها.. نشرت الرعب بيننا وأثارت قلقنا الجم، خوفا من أن نصاب بالفيروس الذي لم تستطع تقنية حتى الآن أن تجد علاجا له.

أطفال القبور!


ميليشيات الحوثي تستغل الأطفال وتجندهم. الأدلة جديدة، ولكن النهج قديم. فهذا الجشع في توظيف عاطفة الأطفال، لتوالي شخصية سياسية أو تتبرأ منها، أدين كثيرا حتى في المواثيق الدولية، ولكن المنقلب على الشرعية ينقلب على أي عُرف.

الأدلة هذه المرة على استغلال الأطفال اليمنيين وحرمانهم من زهور أعمارهم، تغلفت بالطائفية، وشملت أن يزور الأطفال مقابر لقياديين سابقين في جماعة الحوثي، ويتدربوا هناك على تسليم عقولهم وقلوبهم الصغيرة، لأفكار يطلقون عليها "التعايش الجهادي"، فيتقبلوا بعد هذا فكرة حمل السلاح الذي عليه صورة الحوثي وشعاراته، بكل سهولة.

نيران وثلج!


إدلب.. تعزيزات عسكرية قطباها النظام السوري بدعم روسي من جهة، والجيش التركي وموالوه من جهة أخرى. قصف متبادل، ووعد ووعيد، وآلاف النازحين تحت عاصفة ثلجية لا ترحم.

هذا هو الحال شمال شرق سوريا، وكلا الطرفين المتنازعين، عنده ما يبرر عملياته العسكرية، فتركيا ترغب بحماية حدودها من اللاجئين والإرهابيين كما تصفهم، أما روسيا فتدعم جهود النظام لتطهير المدينة واستعادتها. 

المبررات بُحثت في أنقرة السبت الماضي، ولم تكن النتيجة إيجابية. اليوم انطلقت من جديد جولة محادثات أخرى بين الوفدين التركي  والروسي.. وسكان أدلب مستمرون في الفرار من نيران القصف.. لبرودة الطقس.

بورصة كورونا!


يستمر فيروس كرونا في التنقل من بشر لآخر، بنية القتل، كاشفا في كل يوم عن مفاجآت. 

الفيروس عصف باقتصاد الصين، وهبت معه خفايا حرب خلفية، تدور بين واشنطن وبكين، في فلك إيجاد دواء لفيروس كورونا. 

أطباء تايلنديون يقولون إن مزج أدوية الإنفلونزا الإيدز يساعد في تخفيف أعراض الإصابة، فيما قالت بريطانيا أنها حققت "طفرة كبيرة" في الوصول للدواء، وفرنسا حائرة بعدة استراتيجيات كلها لم تجدِ. 

وبعيدا العلاج، سُجِّل انتعاش في بيع الكمامات وكل أنواع مقوِّيات المناعة.. ولأن الناس أصبحوا مرابطين بيوتهم أكثر، زادت نسبة الاشتراك في شركة نتفليكس الترفيهية أيضاً!

جديد ترمب!


قتل الريمي.. وقتل معه خطر القاعدة في اليمن. هذا ما أكدته واشنطن.. الريمي نسبة إلى ولادته في محافظة ريمة اليمنية.. أو قاسم عبده محمد أبكر، خريج معسكرات أفغانستان، وحَبِيُّ أسامة بن لادن في "تنظيم القاعدة في جزيرة العرب"، كما يُسمّى، أو فرعه في اليمن، الذي يُعتبر أخطر فروع التنظيم منذ تأسيسه عام ألفين وتسعة.

مقتل الريمي، ماذا سيتبعه؟ قائد جديد أم انحسار وانتهاء؟ على أي حال، هو إنجاز يُضم لإنجازات إدارة ترمب بعدما قتلت البغدادي وسليماني، وإن كان الريمي ليس بأهميتهما، لكنه ضارٍ لا يكترث لدماء الأبرياء، مثلهما تماما.

إسكات البنادق!


يجتمع في أديس أبابا قادة قارة أقدم الحضارات، وأكثرها تنوعا وجمالا وثراءً.. وبؤسا! القارة الأفقر في العالم، وشعوبها رغم الحروب والجوع، هم من الكثر تواصلا وكرما، هم كالغابة، إذ تتخاصم الأشجار بأغصانها، لكنها تتعانق بجذورها.. هذا ما يقوله المثل الأفريقي.

في الشمال جرح غائر اسمه ليبيا، تكالبت عليه التدخلات الخارجية، وفي أثيوبيا أزمة سد النهضة، وفي السودان، قيادة جديدة وشعب عطِش للحياة بعد رحلة شاقة من الخذلان والدم.

قبل 7 أعوام، وفي خمسينية الاتحاد الأفريقي، تعهد قادة القارة بإنهاء جميع الحروب في أفريقيا بحلول 2020.

واليوم ولليوم.. "إسكات صوت البنادق".. شعار القمة الأفريقية.

2020-02-07

رعب العطسة!


صدمة حقيقية أن نرى ووهان.. المدينة الصينية الأكثر اكتظاظا بالسكان، المدينة التي تعد مركزا سياسيا واقتصاديا وماليا وتجاريا وثقافيا وتعليميا لوسط الصين.. مدينة خالية بسبب كائن طفيلي لا يُرى بالعين، ولا يتكاثر إلا داخل الأحياء.. فيروس كورونا. 

ما أعظم ما أحدثه، وما أضعفنا نحن البشر، حين نخاف من كحة، حين ترعبنا عطسة، حين نمرض، ونتمتم: ما الذي حصل! لقد تقدَّمنا كثيراً.. ألم نكن أقوياء بما يكفي؟

الواثق جدا!


انتهت المحاكمة.. وبدأ السباق لحكم البيت الأبيض. الرئيس الأميركي دونالد ترمب يبدو في أفضل حالاته. كل شيء يشي بهذا، خطاب النصر وصورة المتباهي بالنصر مسبقاً، والانتصار على الديمقراطيين، محاولي عزله، الذين ظنوا بمحاكمته أنهم سيضعفونه، فزادوه قوة. 

المرحلة الآن مختلفة، فنتيجة السباق الرئاسي ليست محسومة مسبقا كما كان في محاكمة مجلس الشيوخ، والديمقراطيون سيشحذون كل الهمم، فيما يُتصوَّر، ليس للفوز بالرئاسة، بقدر ما هو لهزيمة ترمب.. الذي بات يتفنن في استفزازهم كل يوم أكثر. 

يقول نابليون بونابرت: إن أخطر الأوقات هي أوقات النصر.

2020-02-06

من نصدق؟


أشغل فيروس كورونا الصغار والكبار، وامتلأت بأخباره مجالسنا وهواتفنا، البعض يهوِّن والآخر يهوِّل. الصين أصبحت تعلن عن أعداد المشافين مقابل المصابين، والموت بسبب الفيروس تجاوز حدودها إلى بلدان أخرى. 

منظمة الصحة العالمية كذلك متفائلة، وتقول لا تقلقوا.. إنه ليس وباء عالمياً، هذا بعدما أصاب 25 ألف شخص في 20 دولة خلال شهر واحد. 

أنقلق؟ أنخاف؟ أم نثق بما يُقال لنا، وهذا - غالبا - ما نفعله، وسنفعله.

اكتشاف الزيف!


ضاق الأتباع ذرعاً، قبل المتابعين، بحزب الله.. وباتوا يعلنون هذا على الملأ، بعد أن فقد التنظيم قاعدته الجماهيرية التي اكتشفت زيف شعاراته وضيق أفق تطلعاته. هذا ما يقوله تقرير نشرته صحيفة نيويورك تايمز، عن حالة حزب الله اللبناني، خصوصا بعدما أيَّد الإبقاءَ على وضع البلد الكارثي الحالي، ما فاقم السُّخط ضده وضد راعيته إيران. 

فبات ينكل بأي شخص ينتقد شخص حسن نصرالله، أمين الحزب، وهذا ما شاهدناه في مقاطع فيديو عديدة، يعود فيها منتقديه عن أقوالهم، بعد تهديدهم أو تعذيبهم.

حالة الحزب الآن بعد جُملة العقوبات الدولية عليه وعلى طهران، سيئة للغاية، سيئة لدرجة أنهم ضلوا الطريق إلى القدس.. الطريق الذي لم يعرفوه أصلأً.

مصافحة الهواء!


كل كان شيء محبوكاً في خطاب حالة الاتحاد الذي ألقاه الرئيس ترمب.. كل فعل كانت له عشرات الدلالات، وكل ردة فعل لها كذلك. ما جعل تلفزيون CNN يصف ما حدث في مبنى الكابيتول بـ "البرنامج الواقعي".. الذي يعرض للمشاهد (ما يبدو) أنه واقعيا، ولكنه ليس كذلك!

إنها حالة متقدمة من الخلاف الحاد بين الجمهوريين والديموقراطيين، حالة استغلها ترمب بدهاء، ووجه الكثير من الرسائل التي تقول في النهاية، وقبل إعلان براءته من محاكمته: قلتُ وفعلت، وعدت وأنجزت.. ومن يقف في طريقي سأتجاهله، وما مُزِّق مجرد أوراق.. وليس تاريخاً، ومن لم أصافحه.. لم يكن موجودا أصلا.

يقول مهاتما غاندي: لا يستطيع المرء أن يصافح يدا مقبوضة. 

2020-02-05

الوباء المصاحب!


وباء فايروس كورونا.. صاحبه وباء آخر، إنه الأخبار. رقم من هناك، وتصريح من هنا، وتهويل وتبسيط، وتضخيم وتذليل. 

كل المتناقضات تقريبا اجتمعت على الإنترنت، وتحديدا في شبكات التواصل، ما جعل منظمة الصحة العالمية تحذر من هذا الوباء الإعلامي المصاحب لصاحب الشأن.. الوباء البيولوجي. لماذا لا يكون هذا التخبُّط مصدره الصين من جملة ما تصدر؟ فكل شئ محظور هناك إلا عن طريق الحكومة الصارمة في رقابتها. 

دينغ شياو بينغ، أحد رؤساء الصين الشيوعيين المتشددين رسّخ للسياسة الإعلامية لبلاده قائلاً في مطلع الثمانينيات: "إذا فتحت النافذة سعياً وراء الهواء المنعش، لا بدَّ أن تتوقَّع دخول بعض الذباب". 

القبعات الملونة!


القبعات الحمراء مقابل القبعات الزرقاء في العراق.. مشهدٌ لا يعرف لونا ثالثا في العراق.. إما مع الصدر وبالتالي مع تكليف علاوي فتتوشح بالأزرق، وإما أنك ضد الصدر وتكليف علاوي، فتعلن هذا بالأحمر تعبيرا عن دماء من قتل منذ بدء الاحتجاجات الأخيرة. 

أيام معدودات مضت على تكليف محمد توفيق علاوي، وبعده ألقى خطابا ينادي فيه بالتسامح وإعطاء الفرصة وحتى بالتظاهر، ولكن دون تخريب. الشارع في معظم أنحاء العراق لم يرقه اسم "علاوي" قبل إعطائه أي فرصة، فاستمرت الاحتجاجات.. وصدحت بألقابٍ كالخائن ضد الصدر، والفاسد ضد علاوي، بأصوتٍ أعلى من ذي قبل.

حرب المناكفات!


مرحلة جديدة دخلتها المعارك في إدلب.. مرحلة وصفها أردوغان بالخارجة عن السيطرة. في الحقيقة هي خرجت عن السيطرة على الأرض، وفي منابر الساسة أيضاً، حين انكشفت الحقائق هناك. 

أردوغان من جديد هو من وضح لنا هذا حين صرّح مناكفا بوتين: لن تعترف أنقرة بضم روسيا لشبه جزيرة القرم! لماذا الآن.. وفجأة يعرب عن هذا الموقف، عقب مقتل جنود أتراك في إدلب على يد قصف مدعوم من روسيا! ويؤكد هذا حين يقف على النقيض ضد موسكو في الحرب الليبية المتقدة. 

ما ذنب إدلب وسكانها.. إلا أنهم ضحايا أيضا للغيوم السوداء التي تتراشقها أنقرة وموسكو في إدلب، وتمطر حمما من نار. 

تجليات الأنا في الخوارزم

  تطل غوغل اليوم بوجه جديد نحو المدى العربي، حاملة في طياتها ميزة الذكاء الشخصي التي تمنح نظام جيميناي قدرة فائقة على التغلغل في نسيج الحياة...